دافنشي في غرفة العمليات: جراح السمنة كفنان يعيد رسم “النسبة الذهبية” للجسد
دافنشي في غرفة العمليات:
جراح السمنة كفنان يعيد رسم “النسبة الذهبية” للجسد
أوجه التشابه بين عبقرية ليوناردو دافنشي ودقة جراح السمنة، كيف تتحول غرفة العمليات إلى مرسم لإعادة صياغة التوازن والجمال والوظيفة لجسد الانسان؟
المقدمة: عندما يلتقي المشرط بريشة العبقرية
لطالما كان ليوناردو دافنشي يؤمن بأن “العلم هو القائد، والتطبيق هو الجنود”. وفي عالم جراحة السمنة والتمثيل الغذائي، لا يعد الجراح مجرد تقني يطبق خطوات محفوظة، بل هو فنان تشريحي يقف أمام “لوحة حية” تتطلب رؤية فنية تتجاوز حدود اللحم والدم. إن غرفة العمليات، بضوئها المسلط وهدوئها المهيب، تشبه إلى حد كبير مرسم دافنشي؛ حيث يسعى الجراح لإعادة التوازن المفقود للجسد، ليس فقط من حيث الوزن، بل من حيث التناسب الوظيفي والجمالي الذي أفسدته السمنة المفرطة.
المحور الأول: “الرجل الفيتروفي” والبحث عن التوازن المفقود في لوحته الشهيرة “الرجل الفيتروفي”
جسّد دافنشي التناسب المثالي للجسم البشري داخل الدائرة والمربع. والسمنة، في جوهرها الطبي، هي “انحراف تشريحي” يكسر هذه الدائرة ويشوه هذا المربع. عندما يبدأ جراح السمنة في تخطيط مسارات المنظار، فإنه يبحث عن تلك “النسبة الذهبية” (Golden Ratio) التي تضمن للمريض ليس فقط فقدان الوزن، بل استعادة التناغم بين أعضائه الداخلية. إن إعادة تصميم حجم المعدة أو طول الأمعاء هو في الحقيقة إعادة بناء للمقاييس الحيوية التي تسمح للجسد بأن يعود لحالته الفطرية المتوازنة.
المحور الثاني: هندسة الوصلات.. فن الرسم بالخيوط الجراحية
كان دافنشي مهندساً بارعاً قبل أن يكون رساماً، وكذلك جراح السمنة في عمليات تحويل المسار (RYGB). إن تصميم “الوصلة المعوية” (Anastomosis) يتطلب دقة هندسية تضمن تدفقاً انسيابياً للطعام والإنزيمات، تماماً كما كان دافنشي يصمم القنوات المائية لضمان تدفق المياه دون عوائق. كل غرزة جراحية هي خط في لوحة، وكل تدبيس هو زاوية هندسية مدروسة بعناية لمنع التسريب وضمان الامتصاص الأمثل. الجراح هنا لا يقص ويخيط، بل يبني جسوراً حيوية جديدة داخل “الكون المصغر” للإنسان.
المحور الثالث: الضوء والظلال (رؤية ما وراء الأنسجة)
اشتهر دافنشي بتقنية “السفوماتو” (Sfumato) التي تذيب الحدود بين الألوان، وفي جراحة المنظار، يستخدم الجراح تقنيات الإضاءة والكاميرات عالية الدقة ليرى ما وراء الأنسجة. إن القدرة على تمييز طبقات الدهون، والأوعية الدموية الدقيقة، والأعصاب وسط “ضباب” السمنة، تتطلب عيناً فنية مدربة ترى الجمال في التعقيد التشريحي. الجراح الماهر، مثل الرسام العظيم، يعرف متى يضغط بمشرطه ومتى يتوقف، مدركاً أن “الجمال يكمن في التفاصيل التي لا يراها الآخرون”.
المحور الرابع: من “الموناليزا” إلى ابتسامة المريض الأولى يقول دافنشي إن “الروح لا تسكن في جسد لا يحترم قوانين التناسب”.
إن الهدف الأسمى لجراحة السمنة ليس مجرد خفض الأرقام على الميزان، بل هو استعادة “الابتسامة الغامضة” والواثقة للمريض التي تشبه ابتسامة الموناليزا. عندما يستعيد المريض قدرته على الحركة، وتختفي آلام مفاصله، ويتحرر من قيود السكري، فإنه يعيد اكتشاف جماله الداخلي والخارجي. الجراح هنا هو “المحفز” الذي يزيل الطبقات الزائدة ليكشف عن التحفة الفنية الكامنة تحتها، تماماً كما ينحت النحات تمثاله من قطعة رخام خام.
الخاتمة: جراحة السمنة من أسمى أشكال الفن
لم تعد جراحة السمنة مجرد علاج لمرض، بل هي نهضة حقيقية لجسد المريض وروحه. إننا في غرفة العمليات، نكرم إرث دافنشي في كل مرة نستخدم فيها العلم لخدمة الجمال، والدقة لخدمة الحياة. فليكن مشرطنا دائماً ريشة، وغرفة عملياتنا مرسماً، ومرضانا هم أعظم لوحاتنا التي نفخر برسمها كل يوم.


